روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

195

عرائس البيان في حقائق القرآن

وقال بعضهم : وَهَبْ لِي مُلْكاً : أي المعرفة بك حتى لا أرى معك غيرك ولا تشغلني كثرة عروض الدنيا عنك . قال الجنيد : هب لي ملكا ثم رجع ونظر فيما سأل فقال : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أن يسأل الملك ؛ فإنه يشغل عن المالك « 1 » . وقال ابن عطاء : سأله ملك الدنيا ؛ لينظر كيف صبره من الدنيا مع القدرة عليها . وقال ابن دانيار : استغفر ثم سأل الملك أعلم بذلك أن الملك لا يخلو من الفتن ظاهرا وباطنا ، فجعل أول سؤاله الاستغفار . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 36 إلى 38 ] فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) قوله تعالى : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) : كان عليه السّلام من فرط حبه جمال الحق يحب أن ينظر إلى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من المشرق إلى المغرب ؛ حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته ، فسخر اللّه له الريح الرخاء ، وأجراها بمراده حيث أصاب ، وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه ، وفي إشارة الحقيقة سهل له هبوب رياح الشوق والمحبة ، فتسرى بروحه إلى قرب مولاه إذا قصد بسره إليه . قال محمد بن الفضل : انظر إلى ما أوتي سليمان من الملك الريح التي لا حاصل لها ، والشياطين الذين هم أعداؤه ليعلم أن الركون إلى الدنيا ركون إلى ما لا حاصل له ومجاورة الأعداء . [ سورة ص ( 38 ) : آية 39 ] هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) قوله تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ : فيه إشارة الحقائق أي : ما أعطيتك فهو مقام الاتحاد ، وهو عطاء عظيم جعلتك خليفة لي ، فامنن بمنتي على عبادي ، أو أمسك عنهم بإمساكي ، وهذا كما قال في إشارة عين الجمع إلى سيد المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، وكما قال سبحانه في بعض الحديث : « فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا » « 2 » ، بيّن لسليمان

--> ( 1 ) دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهمّ الدين على مهمّ الدنيا لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم طلب المملكة بعده ، ثم دلت الآية أيضا على أن طلب المغفرة من اللّه تعالى سبب لافتتاح أبواب الخيرات في الدنيا لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة . اللباب ( 13 / 369 ) . ( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 8 / 319 ) ، وابن أبي الدنيا في الأولياء ( 1 / 9 ) .